مصر ليست بندقيّة للإيجار: أسرار الهجوم الخليجي الممنهج على القاهرة بعد خذلان واشنطن.
في مشهد سياسيّ عبثيّ يفوق الخيال، نتابع اليوم كيف تنقلب الموازين في الشّرق الأوسط! فبعد أن أمطرت إيران القواعد الأمريكيّة في الخليج بصواريخها، وبدلا من أن توجّه الشّعوب غضبها نحو الحليف الأمريكيّ الّذي قبض ثمن الحماية وتخلّى عنهم في لحظة الحسم، خرجت علينا أبواق إعلاميّة ونخبويّة تحاول تحويل الأنظار وتوجيه سهام النّقد نحو القاهرة.
فجأة، تعالت الأصوات تتساءل عن دور مصر ومسافة السّكّة، في محاولة يائسة للتّغطية على فشل واشنطن في حماية من دفعوا لها المليارات، ومطالبة الجيش المصريّ بأن يكون وقودا لحرب لم يخترها ولم يقبض ثمنها!
1️⃣ الفاتورة الفلكيّة والوهم الأمريكيّ:
الحقيقة الرّئيسيّة الّتي يحاولون طمسها هي حجم الأموال الطّائلة الّتي دفعت لترامب تحت مسمّى تأمين العروش. نتحدّث هنا عن مليارات الدّولارات؛ السّعوديّة والإمارات وقطر استثمروا مئات المليارات.
كلّ هذه الثّروات أنفقت لتأسيس قواعد عسكريّة بأموال خليجيّة، كما تفاخر ترامب علنا. واليوم، عندما كشّرت طهران عن أنيابها وضربت هذه القواعد في مقتل، تبخّرت وعود الحماية، ووقفت الإدارة الأمريكيّة مكتوفة الأيدي تكتفي بالتّصريحات دون أن تردّ كرامة من دفعوا ثمن هذه الحماية سلفا.
2️⃣ تناقض النّخب وانفصام الخطاب:
من المثير للسّخريّة أن نفس الأصوات الّتي تطالب مصر بالتّدخّل العسكريّ، هي ذاتها الّتي تصفّق لحكّامها لتبنّيهم سياسة ضبط النّفس والحلول الدّبلوماسيّة مع طهران!
كيف يعقل أن ترفض طرد سفير وتخشى المواجهة المباشرة، ثمّ تطالب جيش مصر بالقفز في أتون النّار لحماية قواعد أمريكيّة أنت موّلتها؟
مصر لا تمتلك قواعد أجنبيّة على أرضها، ولم تدفع المليارات لترامب ليحميها. ببساطة، الدّولة المصريّة ليست قوّة للإيجار، ولن تكون كبش فداء لرفاهيّة نخب تنظّر على السّيادة المصريّة من داخل القصور المكيّفة.
3️⃣ الازدواجيّة الإعلاميّة وغسيل الفشل:
بمراقبة التّناول الإعلاميّ في الكويت، وقطر، والإمارات، والسّعوديّة، نجد مفارقات صارخة. ففي الكويت الّتي تحتضن معسكر عريفجان وقاعدة علي السّالم، تتساءل النّخب أين مصر؟ متجاهلة سؤال أين الحماية الّتي دفعنا ثمنها؟.
وفي قطر، يحاول الإعلام تصوير مصر كدولة منتهية لتمسّكها بقرارها السّياديّ.
أمّا في الإمارات، فيتغنّى البعض بصداقة آبي أحمد، خصم مصر التّاريخيّ، وفي ذات اللّحظة يطالبون القاهرة بالتّدخّل! هذا التّخبّط ليس سوى محاولة بائسة لغسل عار الفشل الاستراتيجيّ والاعتماد الكليّ على الغرب.
4️⃣ بوصلة الأمن القوميّ المصريّ:
مصر اليوم تضع كلّ تركيزها على تأمين حدودها المشتعلة من كافّة الاتّجاهات، وتبني حصونا، وأنفاقا، ومطارات في سيناء لضمان أمنها الخاصّ، وليس لتسديد فواتير أخطاء الآخرين. الرّسالة الّتي يجب أن تصل للشّعوب المضلّلة هي أنّ من دفع الأموال لترامب عليه أن يحاسبه هو، لا أن يلقي باللّوم على القاهرة الّتي حافظت على كرامتها وسلاحها.
الدّولة المصريّة تدار بحسابات استراتيجيّة دقيقة، ولن تنجرّ إلى مستنقع حروب الوكالة كما حدث لصدّام سابقاً، خاصّة بعد أن أثبت الرّاعي الأمريكيّ أنّه لا يهتمّ سوى بحماية إسرائيل.
في النّهاية، يجب أن ندرك جميعاً أنّ هذه الحملة الممنهجة ضدّ مصر على منصّات التّواصل الاجتماعيّ ليست إلّا ستارا دخانيّا لإخفاء الانهيار المدوّي لعقيدة الأمن بالوكالة الّتي تحطّمت تحت ضربات الصّواريخ الإيرانيّة.
مصر ليست عدوّا ولا مقصّرة، بل هي دولة سياديّة ترفض المتاجرة بدماء جنودها في صراعات لا تخصّها. وعلى النّخب المصريّة الوطنيّة أن تتصدّى لبعض الأقزام المحسوبين علينا، الّذين يدفعون الوطن نحو الهاوية بجهل أو بخيانة، وكأنّهم لم يقرؤوا دروس التّاريخ يوما!

